بقلم: أحمد شلبي
خضير البورسعيدي.. شيخ الخطاطين الذي حوّل الحرف العربي إلى لوحة خالدة
عندما يُذكر فن الخط العربي في مصر والعالم العربي، يبرز اسم الفنان الكبير مسعد خضير البورسعيدي كأحد أهم رموزه وأكثرهم تأثيرًا. فهو ليس مجرد خطاط مبدع، بل مدرسة فنية متكاملة كرّست حياتها لخدمة الحرف العربي، حتى استحق عن جدارة لقب “شيخ الخطاطين”.
وُلد خضير البورسعيدي في مدينة بورسعيد، المدينة التي صنعت شخصيته الوطنية والفنية، ومنها بدأت رحلته مع الحرف العربي الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد مهنة، بل رسالة وهوية وتاريخ. ومنذ سنوات المقاومة الشعبية، استخدم موهبته في كتابة الشعارات الوطنية، ليؤكد أن الخط العربي يمكن أن يكون صوتًا للوطن بقدر ما هو لوحة من الجمال.
امتدت مسيرته لعقود طويلة، وترك خلالها بصمة لا تُنسى في كتابة عناوين وتترات عشرات الأفلام والمسلسلات المصرية، كما أبدع آلاف اللوحات الفنية التي تمزج بين الدقة والإبداع، وشارك في كتابة المصحف الشريف، ليصبح اسمه علامة بارزة في تاريخ الخط العربي، ليس في مصر فقط، بل في العالم العربي كله.
ولم يتوقف عطاؤه عند ذلك، بل امتدت لمساته الفنية إلى المشروعات القومية الحديثة، حيث نفّذ بيده عددًا من أعمال الخط العربي والآيات القرآنية داخل القصر الرئاسي بالعاصمة الإدارية الجديدة، لتبقى بصمته حاضرة في أحد أهم الصروح الوطنية، في تأكيد على أن الفن الأصيل يظل شاهدًا على كل عصر.
وإيمانًا منه بأن الحفاظ على الخط العربي مسؤولية ورسالة، كرّس جزءًا كبيرًا من حياته لتعليم الأجيال الجديدة، وأسهم في تخريج عدد كبير من الخطاطين الذين ساروا على نهجه، ليبقى عطاؤه ممتدًا عبر تلاميذه كما هو حاضر في أعماله.
وخلال زيارة قمنا بها إلى متحف خضير البورسعيدي، برفقة نخبة من الإعلاميين، ضمت الأستاذ أحمد شلبي، والأستاذ عمرو فارس، والأستاذة رضوى البراموني، اكتشفنا أننا لسنا أمام متحف بالمعنى التقليدي، بل أمام كنز ثقافي وفني حقيقي يروي تاريخ الحرف العربي بكل تفاصيله.

فكل لوحة داخل المتحف تحمل قصة، وكل ركن يحكي جانبًا من مسيرة فنان أخلص لفنه ووطنه. ويضم المتحف أعمالًا نادرة، وصورًا تذكارية مع ملوك ورؤساء وأمراء وشخصيات عربية بارزة، فضلًا عن زيارات عديدة لشخصيات ودبلوماسيين وسائحين من مختلف دول العالم، الذين أبدوا إعجابهم الشديد بما يحتويه المتحف من روائع فنية تعكس عظمة الخط العربي وأصالته.
ولم يكن ما شاهدناه مجرد لوحات معلقة على الجدران، بل تاريخًا موثقًا لفنان استطاع أن يكتب بحروفه جزءًا من ذاكرة مصر والعالم العربي، ويجعل من الحرف العربي لغة عالمية يفهمها كل من يعشق الفن والجمال.
إن متحف خضير البورسعيدي يستحق أن يكون ضمن أهم المزارات الثقافية والسياحية في بورسعيد، لما يضمه من قيمة فنية وتاريخية وإنسانية كبيرة، فهو ليس متحفًا لشخص، بل متحف لتراث أمة كاملة.
سيظل اسم خضير البورسعيدي علامة مضيئة في تاريخ الفن المصري، ورمزًا من رموز بورسعيد، وأحد أبرز سفراء الخط العربي في العالم، تاركًا إرثًا سيظل مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن الحضارات تُكتب بالحرف، وأن الجمال يبدأ من نقطة قلم.
خضير البورسعيدي.. شيخ الخطاطين الذي حوّل الحرف العربي إلى لوحة خالدة

+ There are no comments
Add yours