القنال الداخلي في بورسعيد دراسة هندسية–بحرية–جيولوجية حول الفوائد المفقودة وأضرار الردم

القنال الداخلي في بورسعيد

دراسة هندسية–بحرية–جيولوجية حول
الفوائد المفقودة وأضرار الردم
✍️ المستشار السياحي /لقاء العجيمي
مقدمة
لم تُنشأ بورسعيد كمدينة تقليدية بل كمنظومة هندسية ساحلية مرتبطة بأحد أعقد المشاريع البحرية في القرن التاسع عشر: قناة السويس.
ومن بين أهم عناصر هذه المنظومة التي غابت عن الوعي العام ما يُعرف بالقنال الداخلي الذي جرى ردمه لاحقًا دون إدراك لطبيعته أو لوظيفته الحيوية.

هذا المقال يقدّم قراءة علمية متعددة التخصصات (هندسية – بحرية – جيولوجية) لفهم:

لماذا أُنشئ القنال الداخلي؟
ما وظائفه الحقيقية؟
وما الأضرار المترتبة على فقدانه؟

أولًا: الخلفية الهندسية لتخطيط بورسعيد

1. طبيعة الموقع

بورسعيد أُنشئت فوق:
تربة رملية–طميية غير متماسكة
منطقة دلتاوية متحركة

تفاعل دائم بين:
مياه البحر المتوسط
بحيرة المنزلة
المياه الجوفية الضحلة

هذه الخصائص تضع المدينة ضمن أخطر البيئات عمرانياً إن لم تُدار هندسيًا بدقة.

ثانيًا: القنال الداخلي كحل هندسي متقدم

1. الوظيفة الهيدروليكية (Hydraulic Function)

القنال الداخلي كان جزءًا من نظام توازن مائي يهدف إلى:
تنظيم منسوب المياه الجوفية
تصريف المياه الراكدة
تقليل ضغط الماء داخل المسام الرملية
(Pore Water Pressure)

هذا النظام:
يمنع الهبوط الأرضي
يقلل التشققات
يحافظ على استقرار المباني

وهو نفس المبدأ المستخدم في:
مدن هولندا
موانئ شمال فرنسا
مناطق الدلتا الساحلية في بلجيكا

2. الوظيفة الجيولوجية (Geotechnical Role)

من الناحية الجيوتقنية القنال الداخلي كان:
خط فصل مائي يقلل التشبع
قناة تفريغ للطمي والمياه المختلطة
عنصرًا يحسّن Bearing Capacity للتربة المجاورة

ردمه أدى إلى:
زيادة التشبع
ضعف قدرة التربة على التحمل
انتقال الأحمال بشكل غير متوازن

3. الوظيفة البحرية والملاحية

لم يكن القنال الداخلي ترعة داخلية بل:
ممر خدمة بحري

مسار لقوارب:
الصيانة
النقل الخفيف
الخدمات اللوجستية

وكان مرتبطًا بـ:
الأرصفة
الورش
المخازن
مرافق الميناء
أي أنه كان جزءًا من بنية الميناء وليس منفصلًا عنها.

ثالثًا: الوظيفة الصحية والبيئية

في القرن 19 قبل تطور الصرف الصحي الحديث:

المياه الراكدة = أوبئة
التهوية المائية = صحة عامة

القنال الداخلي:
حافظ على حركة المياه
قلل البعوض

خفّف من انتشار:
الكوليرا
الملاريا
الحمى

وهذا موثق في تقارير طبية أوروبية
مرتبطة بموانئ المتوسط.

رابعًا: القنال الداخلي والتخطيط العمراني

كان القنال:
حدًا طبيعيًا يمنع الزحف العشوائي
عنصر تنظيم بصري ووظيفي
جزءًا من هوية المدينة كـ مدينة مائية

ردمه ألغى:
الفاصل الطبيعي
التدرج العمراني
المنطق التخطيطي الأصلي

خامسًا: أضرار فقدان القنال الداخلي

1. أضرار هندسية

زيادة الهبوط غير المنتظم
إجهادات إضافية على الأساسات
مشاكل صرف متكررة

2. أضرار بيئية
اختناق التربة
تدهور المياه الجوفية
زيادة الرطوبة الأرضية

3. أضرار عمرانية

فقدان عنصر مرن للتوسع
تشويه النسيج التاريخي
قطيعة مع التخطيط الأصلي

سادسًا: قراءة مقارنة أوروبية

في مدن مشابهة:
أمستردام
بروج

روترردام لم تُردم القنوات الداخلية بل:
أُعيد توظيفها
أُدمجت في التنمية
أصبحت عنصر جذب اقتصادي وثقافي

بينما في بورسعيد:
تم ردم الحل الهندسي بدل تطويره.

الخلاصة
القنال الداخلي لم يكن:
ترفًا
ولا بقايا استعمار
ولا عنصرًا ثانويًا

بل كان:
عقلًا هندسيًا سابقًا لعصره
وركيزة خفية لاستقرار بورسعيد
وفقدانه لم يكن تقدمًا
بل فقدان طبقة كاملة من حكمة المدينة.
المستشار السياحي / لقاء العجيمي
تحياتي / نادية منصور

موضوعات متعلقة

المزيد من الكاتب

+ There are no comments

Add yours